أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
333
العقد الفريد
جائيا من عنده ، فقلت : من أين أبا حزرة ؟ قال : من عند أمير يعطي الفقراء ويمنع الشعراء قلت : فما ترى فإني خرجت إليه ؟ قال : عوّل عليه في مال ابن السبيل كما فعلت . فانطلقت فوجدته قاعدا على كرسيّ في عرصة « 1 » داره ، قد أحاط الناس به فلم أجد إليه سبيلا للوصول ، فناديت بأعلى صوتي : يا عمر الخيرات والمكارم * وعمر الدّسائع العظائم « 2 » إني امرؤ من قطن بن دارم * أطلب حاجي من أخي مكارم إذ ننتجي والليل غير نائم * في ظلمة الليل وليلي عاتم عند أبي يحيى وعند سالم فقام أبو يحيى ففرّج لي ، وقال : يا أمير المؤمنين ، إن لهذا البدويّ عندي شهادة عليك . قال : أعرفها ، ادن مني يا دكين ، أنا كما ذكرت لك أن لي نفسا توّاقة ، وأن نفسي تاقت إلى أشرف منازل الدنيا ، فلما أدركتها وجدتها تتوق إلى الآخرة ؛ واللّه ما رزأت من أمور الناس شيئا فأعطيك منه ، وما عندي إلا ألفا درهم ، أعطيك أحدهما . فأمر لي بألف درهم . فو اللّه ما رأيت ألفا كانت أعظم بركة منها . وفود كثير والأحوص ونصيب على عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه حماد الراوية قال : قال لي كثير عزّة : ألا أخبرك عما دعاني إلى ترك الشعر ؟ قلت : نعم . قال : شخصت أنا والأحوص ونصيب إلى عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه ، وكل واحد منا يدل عليه بسابقة وإخاء قديم ، ونحن لا نشك أن سيشركنا في خلافته ، فلما رفعت لنا أعلام خناصرة « 3 » ، لقينا مسلمة بن عبد الملك ، وهو يومئذ
--> ( 1 ) عرصة داره : ساحتها . ( 2 ) الدّسائع : العطايا والأخلاق والمكارم . ( 3 ) خناصرة : بليدة من أعمال حلب تحاذي قنصرين نحو البادية .